هيئة الحقيقة والكرامة تكشف حقائق حول استغلال المستعمر الفرنسي للثروات الباطنية التونسية
الجمعة 14 ديسمبر 2018

هيئة الحقيقة والكرامة تكشف حقائق حول استغلال المستعمر الفرنسي للثروات الباطنية التونسية

كتب الضمير

 

 

على خلفية الجدل الحاصل خلال الفترة الأخيرة حول تدخّل المستعمر الفرنسي في الاختيارات الاقتصادية لدولة الاستقلال واستغلاله للثروات الباطنية التونسية، نشرت هيئة الحقيقة والكرامة عددا من الحقائق التي توصّلت إليها بوثائق أرشيفية.

 

تشريعات قبل الاستقلال لاستغلال الثروات الباطنيّة التونسيّة

 

لضمان وضع يدها على الثروات الباطنيّة بالأراضي التونسيّة، قامت سلطة الاحتلال الفرنسي بتكوين شركات منحتها حقوق استغلال الحقول النفطيّة والمقاطع في إطار لزمات أو عقود استغلال أو رُخص تفتيش (عشرات الشركات المختصّة في استخراج خبايا الأرض من بينها أكثر من 10 شركات ناشطة في مجال استغلال النفط والغاز والملاّحات (وثيقة عـــــــدد1)

 

وللحفاظ على هذه الثروات مع تنامي مطالب الاستقلال، وسعيا للاستغلال المُفرط للموارد النفطيّة، أقرّت فرنسا جملة من التشريعات من أهمّها:

 

- الأمر العليّ الصادر عن الباي بتاريخ 13 ديسمبر 1948 والمتعلّق بإحداث تدابير خصوصيّة لتسهيل التفتيش عن المواد المعدنيّة يسمح للشركات الفرنسيّة بـــ:

 

1- استغلال المواقع المُكتشفة في مجال المواد المعدنية (النفطيّة) لمدّة 99 سنة.

 

2- توسيع مساحة مواقع الاستغلال لكلّ مُستكشف من 400 هكتار سنة 1913 (الامر العليّ الصادر في 29 ديسمبر 1913) الى 70 كم مربّع سنة 1948 حسب الاتّفاقيات المُمضاة مع شركات "سيرابت وإيراب".

 

3- استغلال المواقع المُكتشفة دون ترخيص إضافي.

 

4- خلاص أتاوة الاستغلال بالفرنك الفرنسي أو بالعملة الوطنيّة. في حين أنّه في ذلك الوقت لم تُحدث بعدُ العملة الوطنيّة (الدينار التونسي) وهو ما يؤشّر إلى ديمومة هذا الوضع في المستقبل. (وثيقة عـــــــدد2+3)

 

- أمر صدر سنة 1949 يمنح حقّ الاستغلال لشركة "COTUSAL" المكوّنة نتيجة اندماج مجموعة شركات فرنسيّة للملاّحات، مع تمتيعها بدفع أتاوة استغلال تُحتسب باعتماد أدنى سعر من السلّم العامّ لاستغلال أراضي الدولة التونسيّة. (وثيقة عـــــــدد4)

 

وتبيّن للهيئة بذلك ما يلي:

 

- لم تضمن هذه الاتّفاقيات الحقوق الدنيا لحماية مصلحة البلاد التونسيّة. وتؤكّد أنّ فرنسا سعت للإبقاء على صلاحيات استعماريّة في دولة على أبواب "الاستقلال".

 

- لم تقم دولة الاستقلال بمراجعة هذه الاتّفاقيات وتحسين مردوديتها. حيث كلّما تقدّم مُنافس للشركات الفرنسيّة بعروض أحسن على غرار شركة ENI الايطاليّة في مجال الاستكشاف والاستغلال وتكرير النفط (الرئيس المدير العامّ أُغتيل في 27 أكتوبر 1962)، كلّما تمكّنت الدولة التونسية من قدرة تفاوضيّة أحسن.

 

امتيازات فرنسيّة في اتّفاقية الاستقلال الداخلي لم تُلغها اتّفاقية الاستقلال التامّ في 20 مارس 1956 (وثيقة عـــــــدد5)

 

في إطار حمايتها لمصالحها الاستعماريّة، قامت فرنسا بتضمين فصلين باتّفاقيّة الاستقلال الداخلي في جزئها الاقتصادي، هما الفصلان 33 و34، ولم يقع إلغاؤهما باتّفاقيّة الاستقلال التامّ التّي تعرّضت للجوانب الامنيّة فقط وتغاضت عن المسألة الاقتصاديّة والماليّة.

 

حيث تضمّن هذان الفصلان (وثيقة عـــــــدد6):

 

- التزام الدولة التونسيّة بمنح حقّ الأفضليّة للمشاريع الفرنسيّة عند تساوي الشروط للحصول "على رُخص التفتيش والاستثمار وعلى اللزم".

 

- عدم قدرة الدولة التونسيّة على تغيير آجال اللزمات والاتّفاقيات ورُخص التفتيش والاستثمار المبرمة أو الممنوحة إلاّ بموافقة الطرف الفرنسي".

 

امتيازات استغلال الثروات الباطنيّة التونسيّة بعد الاستقلال بطريقة مُجحِفة

 

بعد الاستقلال، استمرّت السلطات الفرنسيّة في استغلال الدولة التونسيّة واستنزاف ثرواتها عبر:

 

1- استغلال الأراضي التونسيّة لنقل البترول من الجزائر بما لا يضمن حقوق الدولة التونسيّة

 

قامت فرنسا بتكوين شركة TRAPSA بمقتضى اتّفاقيّة مع البلاد التونسيّة سنة 1958 لمدّ أكثر من 510 كلم من إجمالي 775 كلم مربّع من قنوات نقل البترول من "عين أميناس" بالجزائر إلى ميناء الصخيرة.

 

وتُشير الهيئة في هذا الجانب:

 

- لم تكن الحكومة التونسيّة طرفًا في النقاش مع الجانب الجزائري حول هذه الاتّفاقيّة وهو ما أضرّ بالحقوق التونسيّة. حيث أوكلت الحكومة التونسيّة التفاوض مع الجزائر حول استغلال الأراضي التونسيّة إلى الشركة الفرنسيّة TRAPSA. (وثيقة عـــــــدد7)

 

- لم تُطالب الحكومة التونسيّة بتحيين قيمة عوائدها من عمليّة نقل البترول.

 

- لم تُحاول الحكومة التونسيّة أن تضع آليات تضمن لها التأكّد من الكميّة المنقولة لتكون أساسًا للأتاوة المجبيّة.

 

وعليه لم تضمن هذه الاتّفاقية الحقوق الدنيا للبلاد التونسيّة ( أتاوة استغلال وضرائب محدودة غير قابلة للمراجعة لمسايرة نسق تطوّر الأسعار) وذلك حسب اعتراف السلطات الفرنسيّة.

 

وقد تزامنت عمليّة تأميم الجزائر لثرواتها الباطنيّة سنة 1971، مع تراجع مداخيل الدولة التونسيّة من اتاوة نقل البترول عبر شركة TRAPSA.

 

وفي هذا الجانب، تحصّلت الهيئة على وثيقة وهي مراسلة من السفير الفرنسي (وثيقة عـــــــدد7) تُبيّن أنّ وزير الاقتصاد الوطني بالحكومة التونسيّة أبدى امتعاضه من الوضعيّة الجديدة ونقص مداخيل الدولة التونسيّة، لكنّ الحكومة التونسيّة أوكلت التفاوض من جديد مع الجانب الجزائري للدولة الفرنسيّة.

 

2- الاستغلال المُجحف للثروات الباطنيّة التونسيّة

 

تولّت الشركة الفرنسيّة TRAPSA كذلك عمليّة نقل البترول التونسي المُستخرَج من حقول البُرمة والبالغ 4 مليون طن سنويّا.

 

وتُشير الهيئة في هذا الجانب إلى ما يلي:

 

- لم تتولّى الحكومة التونسيّة مُناقشة عمولات النقل أو المطالبة بالمساهمة في رأس مال الشركة.

 

- كان السفير الفرنسي بتونس على علم بكلّ ما تُنتجه الحقول التونسيّة ويتدخّل في كلّ القرارات المُتعلّقة بالاستثمار أو التوسعة (حتّى في باب بناء محطّة تكرير النفط بجهة قابس بقدرة انتاجيّة تكفي استهلاك البلاد بأكثر من 5 مليون طن) وذلك وفق وثيقة تحصّلت عليها الهيئة.

 

(وثيقة عـــــــدد8+9+10)

 

- لم تُحاول الحكومة التونسيّة أن تضمن الحدّ الأدنى من حقوقها على ثرواتها الطبيعيّة (محاولة التأميم) حيث كان أقصى طموحها حسب تقييم السفير الفرنسي بتونس سنة 1972 أن تُبقي على نصيبها من أتاوة نقل TRAPSA مستقرّة ولم ترغب حتّى في وضع يدها على شركة تستغلّ مجالها البرّي وموانئها لتقل البترول المستخرج من أراضيها. (وثيقة عـــــــدد7)

 

وتوضّح الهيئة مثالا يكشف مدى خسارة الدولة التونسيّة بسبب هذه الاتّفاقيات المُجحفة حيث:

 

- بلغ إنتاج الحقول النفطيّة التونسيّة خلال سنة 1971 الى 4 مليون طن ما يعادل 30.4 مليون برميل كما هو مضمّن من خلال محضر جلسة الوزير الاوّل التونسي وسفير فرنسا (وثيقة عـــــــدد11) في إطار تشجيع الشركات الفرنسية للاستثمار في المجال النفطي نظرًا للتسهيلات والتشجيعات الممنوحة.

 

- في نفس الإطار، لم تتجاوز مداخيل الدولة التونسيّة من البترول خلال نفس الفترة 300 مليون فرنك فرنسي أي ما يعادل 550 ألف دولار أمريكي أي بمعدّل 0.2 دولار على كلّ برميل (سعر برميل البترول سنة 1971 في حدود 3.6 دولار) أي مردوديّة لا تتجاوز 6% من السعر المتداول. (وثيقة عـــــــدد11)

 

- لم تضمن الدولة التونسيّة أدنى حقوقها في مجال استخراج البترول إلاّ بمناسبة اكتشاف حقل بجهة البُرمة خلال سنة 1961 أُسند حقّ استغلاله الى شركة SITEP وهي شركة أُنشأت بالشراكة بين الدولة التونسيّة والمجموعة الإيطالية ENI بحساب 50/50.

 

لم تستسغ من جهتها الشركة الفرنسيّة SEREPT منح حقّ الاستغلال لشركة منافسة، فطالبت السلطات التونسيّة بالتعويض عن الأضرار اللاحقة بها وكان لها ذلك. (وثيقة عـــــــدد12+13)

 

توضيحات ختاميّة

 

قامت الشركات الأجنبيّة وتحديدا الفرنسيّة منها باستغلال فاحش لموارد البلاد التونسيّة الباطنيّة وكان للشركات الفرنسيّة نصيب الأسد من هذه التراخيص (7شركات فرنسيّة من جملة 15 شركة)

 

وتنتهي الهيئة بتأكيد ما يلي:

 

- يعود الاستغلال الفاحش للموارد الباطنيّة التونسيّة لما تضمّنه الفصلين 33 و34 من اتّفاقيّة الاستقلال الاقتصاديّة والماليّة، ولما أقرّته دولة فرنسا الاستعماريّة من اتّفاقيات بشروط مجحفة.

 

- توجد بعض الاتّفاقيات التي تضمن الحدّ الأدنى من حقوق الدولة التونسيّة خاصّة كلّما وقع اللجوء إلى المنافسة مع شركات منافسة للشركات الفرنسيّة.

 

- ضعف القدرة التفاوضيّة للحكومة التونسيّة مع شركات المستعمر الفرنسي مقارنة بالجار الجزائري وذلك راجع للاتّفاقيّة النهائية للاستقلال أو للوضعيّة السياسيّة الداخليّة بعد الاستقلال.

 

- رغم اختلال التوازن في مناقشة الصفقات الاقتصادية الهامّة إلاّ أنّ حكومة الاستقلال حاولت ما في وسعها لإضفاء بعض التوازن على هذه العلاقة، إلاّ أنّها تبقى دون المأمول ولم تف بمتطلّبات الحقبة التاريخيّة.

 

وتُشير الهيئة أنّها ستعرض كلّ الحقائق التي توصّلن إليها حول هذا الملفّ في تقريرها الختامي لأنّ معرفة الحقيقة هو حقّ لكلّ مواطن تونسيّ.


استطلاع الرأى

ما رايك في تصميم الموقع الجديد؟

  • جيد

    52%

  • متوسط

    27%

  • ردئ

    21%